القرطبي
385
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ليس بمخير إلا في الضرورة لان الله تعالى قال : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه " فإذا حلق رأسه عامدا أو لبس عامدا لغير عذر فليس بمخير وعليه دم لا غير . السابعة - واختلفوا فيمن فعل ذلك ناسيا ، فقال مالك رحمه الله : العامد والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث . وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما - لا فدية عليه ، وهو قول داود وإسحاق . والثاني - عليه الفدية . وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم بلبس المخيط وتغطية الرأس أو بعضه ، ولبس الخفين وتقليم الأظافر ومس الطيب وإماطة الأذى ، وكذلك إذا حلق شعر جسده أو اطلى ، أو حلق مواضع المحاجم . والمرأة كالرجل في ذلك ، وعليها الفدية في الكحل وإن لم يكن فيه طيب . وللرجل أن يكتحل بما لا طيب فيه . وعلى المرأة الفدية إذا غطت وجهها أو لبست القفازين ، والعمد والسهو والجهل في ذلك سواء ، وبعضهم يجعل عليهما دما في كل شئ من ذلك . وقال داود : لا شئ عليهما في حلق شعر الجسد . الثامنة - واختلف العلماء في موضع الفدية المذكورة ، فقال عطاء : ما كان من دم فبمكة ، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء ، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي . وعن الحسن أن الدم بمكة . وقال طاوس والشافعي : الاطعام والدم لا يكونان إلا بمكة ، والصوم حيث شاء ، لان الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم ، وقد قال الله سبحانه " هديا بالغ الكعبة " ( 1 ) [ المائدة : 95 ] رفقا لمساكين جيران بيته ، فالاطعام فيه منفعة بخلاف الصيام ، والله أعلم . وقال مالك : يفعل ذلك أين شاء ، وهو الصحيح من القول ، وهو قول مجاهد . والذبح هنا عند مالك نسك وليس بهدى لنص القرآن والسنة ، والنسك يكون حيث شاء ، والهدى لا يكون إلا بمكة . ومن حجته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه ، وفيه : فأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه برأسه - يعني رأس حسين ( 2 ) - فحلق ثم نسك عنه بالسقيا ( 3 ) فنحر عنه بعيرا . قال مالك قال يحيى بن سعيد : وكان حسين خرج مع عثمان في سفره [ ذلك ( 4 ) ] إلى مكة . ففي هذا
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 314 . ( 2 ) هو حسين بن علي . ( 3 ) السقيا : منزل بين مكة والمدينة ، قيل هي على يومين من المدينة . ( 4 ) زيادة عن الموطأ .